عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

87

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

وإنما أبرزها من وجود علمي إلى وجود عيني ، وهذا الكلام وإن كان له في العقل وجه يستند إليه على ضعف ، فأنا أنزّه ربي أن أعجز قدرته عن اختراع المعدوم وإبرازه من العدم المحض إلى الوجود المحض . واعلم أن ما قاله الإمام محيي الدين رضي اللّه عنه غير منكور ، لأنه أراد بذلك وجود الأشياء في علمه أو لا ، ثم لما أبرزها إلى العيني كان هذا الإبراز من وجود علمي إلى وجود عيني ، وفاته أن حكم الوجود للّه تعالى في نفسه قبل حكم وجود لها في علمه ، فالموجودات معدومة في ذلك الحكم ولا وجود فيه إلا للّه تعالى وحده ، وبهذا صحّ له القدم ، وإلا لزم أن تسايره الموجودات في قدمه على كل وجه ويتعالى عن ذلك ، فتحصّل من هذا أنه أوجدها في علمه من عدم يعني أنه يعلمها في علمه موجودة من عدم فليتأمل ، ثم أوجدها في العين بإبرازها من العلم وهي في أصلها موجودة في العلم من العدم المحض ، فما أوجد الأشياء سبحانه وتعالى إلا من العدم المحض . واعلم أن علم الحق سبحانه وتعالى لنفسه وعلمه لمخلوقاته علم واحد ، فبنفس علمه بذاته بعلم مخلوقاته لكنها غير قديمة بقدمه ، لأنه يعلم مخلوقاته بالحدوث ؛ فهي في علمه محدثة الحكم في نفسها مسبوقة بالعدم في عينها ، وعلمه قديم غير مسبوق بالعدم ، وقولنا حكم الوجود له قبل حكم الوجود لها ، فإن القبلية هنا قبلية حكمية أصلية لا زمانية ، لأنه سبحانه وتعالى له الوجود الأول لاستقلاله بنفسه ، والمخلوقات لها الوجود الثاني لاحتياجها إليه ، فالمخلوقات معدومة في وجوده الأول ، فهو سبحانه أوجد من العلم المحض في علمه اختراعا إلهيا ، ثم أبرزها من العالم العلمي إلى العالم العيني بقدرته ، وإيجاده للمخلوقات إيجادا من العدم إلى العلم إلى العين لا سبيل إلى غير هذا ، ولا يقال يلزم من هذا جهله بها قبل إيجادها في علمه ، إذ ما ثم زمان وما ثم إلا قبلية حكمية أوجبتها الألوهية لعزّتها بنفسها واستغنائها في أوصافها عن العالمين ، فليس بين وجودها في علمه ، وبين عدمها الأصلي زمان ، فيقال : إنه كان يجهلها قبل إيجادها في علمه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا فافهم . فإن الكشف الإلهي أعطانا ذلك من نفسه ، وما أوردناه في كتابنا إلا ليقع التنبيه عليه نصيحة للّه تعالى ولرسوله وللمؤمنين ، ولا اعتراض على الإمام إذ هو مصيب في قوله على الحدّ الذي ذكرناه ، ولو كان مخطئا على الحكم الذي بيناه وفوق كل ذي علم عليم ، فإذا علمت هذا فإن القدرة الإلهية صفة بثبوتها انتفى عنه العجز بكل حال ، وعلى كل وجه لا يلزم من قولنا بثبوتها انتفى عنه العجز أن يقال لو لم تثبت لثبت العجز ، فإنها ثابتة لا